إن منابر الجامعات هي معارج العقول ومحاريب الفكر التي تتمايز بها الأمم، والسعي لطلب العلم فيها فريضة، والتنافس في تحصيل أعلى الدرجات سُنّة متبعة ومسلك محمود وبها فضائل كثيرة ومعانٍ جمّة لحامليها؛ لما فيه من فائدة للمجتمع وللأمة الإسلامية برفع شأنها وإغنائها عن دول الكفر والضلال، كما أن تحصيل العلامات العليا أثناء الدراسة من أبرز الاشياء التي تدل على انضباط الطالب وتفانيه في طلب العلوم.
لقد ابتلينا بجيلٍ غفل عن فضل طلب العلم وغايته السامية، واستبدلها بسباقٍ محمومٍ نحو العلامات والتفوق الشكلي، مما طغت نزعة 'الأنا' فيهم على جوهر التعلم، وبات الجميع يسعى ليكون الأول، سواء كان ذلك نابعاً من تمخطر أو تقليدٍ أعمى للآخرين، مما أفرغ طلب العلم من مضمونه الحقيقي، هذه المقالة هي إحياء المعنى المفقود وتوضيح الواضحات، مُبيناً أفضلية اللب على القشر، وأن العلامات ليست ذات أهمية بقدر طلب العلم ذاته وتقدير مكان العلم.
بدايةً، لا يُنكر فضل العلامات العليا إلا مكابرٌ أو جاهل؛ فمنذ بدأ التعليم الجامعي والمدرسي بشكله الحالي، كان تحصيل الدرجات بالغ الأهمية لاجتياز المراحل الدراسية أو لإكمال التحصيل العلمي، وقد يتفوق أشخاصٌ على آخرين؛ إما بسبب اجتهادهم أو لتفاوت القدرات بينهم. كما أصبحت العلامات مؤشراً على اجتهاد الطالب، ويفسرها البعض بأنها دليلٌ قدرة الطالب على استيعاب المعلومات والتعلم السريع، وباتت هي المعيار الحاكم في القبول الجامعي، والتوظيف، ونيل المنح الدراسية؛ غير أن استمرار هذا النهج يكشف عن فشل النظام التعليمي وعجزه عن تقييم الطالب تقييماً جوهرياً؛ مما اضطره للجوء إلى الوسيلة الأسهل "العلامات". وهكذا، أضحى التعليم -والجامعي منه خاصة- يخرّج حملة علامات عليا، أما العلم فإلى الله المشتكى!
حينها، ترى المؤسسات التعليمية تحتفي بمن حاز أعلى الدرجات في الرياضيات أو الفيزياء وتكرمهم، وكأن لسان حالها يقول: "بدرجاتك العالية أنت مبهر وتستحق التكريم". ويُنصب هؤلاء قدوات لأولئك الذين لم يستطيعوا حصد علامات مماثلة، متجاهلين ما هو أهم وأبقى والقدرات المتفاوته وتنميتها أو احتوائها. فما دمت صاحب عالية عالية، فأنت ابن الاطايب.
في الحقيقة، قد لا ألوم الطالب على واقعه؛ فالبيئة المحيطة تجبره على هذا المسلك وإن لم تحصل عليها لا مكان لك بيننا ، والتعلم! هو أمر ثانوي. ولطالما تناهت إلى مسامعنا قصصٌ من كواليس المشاريع الجماعية، نرى فيها أن أقل الطلاب استيعاباً وذا فائدة معرفية هو صاحب أعلى العلامات؛ فقد يجهل أبسط بديهيات كأن الحيتان تلد، لكنه حاصل على 99% في الرياضيات! لا نستطيع الحديث عنه الجامعة ستكرمه غداً.
وكما يقع اللوم على النظام، فإنه يقع أيضاً على الطالب الذي يصب جلّ اهتمامه على العلامات، موقناً باستحقاقه لها مهما كان مستواه. ومما يثير الأسى أن تجد طلاباً يتجاوزون حدود الأدب مع معلميهم؛ لا لشيء إلا لأنهم لم يمنحوهم العلامة العالية، فينهالون عليهم شتماً وانتقاصاً، ناسين فضل من وقف يعلمهم، لكن ما فائدة التعليم إن كنت لا احصل على العلامات، أليس كذلك؟ وترى البعض ينتقص من قدر المعلمين لعجزهم عن إفهام حضرة الطالب باشا حفظه الله وقدس سره، الذي يأنف من البحث عن المعلومة، بل يريدها جاهزة وتراه لا يبحث في الكتب بل يكتفي بما وضعه معلمه بين يديه ويدعي المظلومية بعد ذلك حينما يذاكر 1+1=2 ويرى 1+س=2، هذا القلق الدائم على العلامات خلق طالباً ضيق الخُلق ومتعجل على الفهم وطلب العلم، يسيء الظن بمعلميه، خاصة إذا جاء الاختبار صعباً أو تطلب تفكيراً، وهذا سبب قول أُبتلينا بجيل يغتر بنفسه، يظن أنه عالِم لمجرد حفظه للأوراق؛ وتوهم بالمؤامرات عندما ينقص في العلامات، ناسياً فضل المعلم ومحاولاته الدائمة لإيصال المعلومة.
إن حال كثير من الطلاب مع المعلمين حال يندى له الجبين؛ فأي خير يرتجى من جيلٍ لا يعرف فضل معلميهم؟ وصدق الشاعر إذ يقول: إِنَّ المُعَلِّمَ وَالطَّبيبَ كِلاهُما ... لا يَنصَحانِ إِذا هُما لَم يُكرَما فَاصبِر لِدائِكَ إِن أَهَنتَ طَبيبَهُ ... وَاصبِر لِجَهلِكَ إِن جَفَوتَ مُعَلِّما. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة حيث يقول: "ليس منَّا مَنْ لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويَعْرِفْ لعالِمِنا حقَّهُ"، البعض لا يعرف فضل المعلم حق فضله وإن ذاق الجهل لثانية لأدرك من الذي يقف أمامه، وصل الحال ببعضهم أن يقول أن علمه أفضل من معلمه وبالحقيقة لا استغرب من هذا الجيل الذي يرى فيه الشخص أنه أفضل من أي شخص حتى معلميه، والبعض الآخر يشتمهم مازحاً أو ليضحك اصدقائه ومتناسياً فارق السن بينهم وفناء المعلم لعمره في طلب العلم وقد يكون بعضهم مسلماً هدفه هو اعلاء كلمة الاسلام وتعليم بني جنسه، وعلى هذا الذكر قد أخبرني أحد الدكاتره أنه رفض عرض من أحد أفضل الجامعات العالمية لأنه يؤمن أن علمه يجب أن ينقل لدولته المسلمة، وبعد فتره اسمع من أحد الطلبة الجاحدين يشتمه! لأنه يظن هذا الطالب باشا أن معلمه "مستقعد" ولكن ماذا نرجو من هذا الجيل الذي نعلمه احترام المعلم والشوارب في وجهه.
وإن كان ما سبق بياناً لفضل المعلم فإن فضل العلم ذاته وتعلمه أكبر وأجلّ، فطلب العلم يعد من فروض الكفاية التي يجب على المسلمين القيام بها؛ فإن أهملوها أثموا جميعاً، وإن قام بها بعضهم سقط الإثم عن الباقين. ولعظم شأن فروض الكفاية في الشريعة، ذهب بعض العلماء إلى أنها أفضل من فرض العين؛ لعموم نفعها وإسقاطها الإثم عن الأمة جمعاء. فطلب هذه العلوم من أعظم العبادات وأنفع القربات، بل قد تتعين على بعض الطلبة فتصبح فرض عين في حقهم إذا كانوا مؤهلين لها، واحتاجت الأمة إليها، ولم يوجد غيرهم لسد هذه الثغرة. لذا، اعلم أن المكان الذي أنت فيه هو صرحٌ للارتقاء بفكرك لخدمة الأمة الإسلامية؛ فلا تجعل انشغالك بالعلامات يعميك عما هو أهم، أو ينسيك استحضار النية بأن يكون علمك لوجه الله أولاً وثم نفعاً لأمتك، هناك أولويات يجب أن تدركها قبل العلامات.
ختاماً لا أقول إن العلامات العليا ليست بالأمر الجيد، بل هي امتياز للطالب ودليل تفوقه، ولكنها تظل سراباً وظلاً زائلاً إن لم يصاحبها استحضار النية، وفهم للعلم، وتوقير للمعلم.